لندن - المملكة المتحدة 24/04/2019

هل يمكن أن تتطور البحرين والكويت إلى ملكيات دستورية حقيقية؟

خ خ خ

النظم السياسية الدستورية لا تأتي بالضرورة كاملة وملبية لطموحات الناس فور إقرارها، بل إنها، كجميع الأنظمة التي يضعها البشر، تتطور على مر الزمن وفق تطور المجتمع والوصول إلى تلك المرحلة من التطور تتطلب عملا دؤوبًا ووضوحا في الأهداف المبتغاة من عملية الإصلاح.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه المسألة هو كيف نطور النظام الدستوري؟ هل هو من خلال النظام نفسه، أي: وفق مواد الدستور؟ أم هل ينبغي أن نطوره عن طريق أساليب خارجية؟

في إحدى اللقاءات الإعلامية، صرح المناضل الوطني والنائب السابق بمجلس الأمة الكويتي الدكتور أحمد الخطيب أن الدستور الكويتي في شكله الحالي جدير بأن يحقق جميع مطالب شباب حراك 2011-2012في تطبيق نظام الحكومة المنتخبة[1]. وحدد في ذلك المادة (102) من الدستور الكويتي التي أعطت للمجلس النيابي صلاحية إصدار قرار بـ“عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء”[2]كصيغة بديلة عن “طرح الثقة”فيه، حيث يمكن أن يصدر المجلس بالأغلبية المطلقة[3]قراراً بعدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء الذي يعينه الأمير، وعليه يُرفع الأمر إلى الأمير ليكون صاحب القرار في فض النزاع. فإما أن يقبل بقرار المجلس ويعفي رئيس الوزراء ويعين بديلاً له، وإما أن يحل المجلس وتُجرى انتخابات جديدة.

ويرى الدكتور أحمد الخطيب أن هذه المادة أفسحت المجال لفرض “رئيس وزراء شعبي” من اختيار المجلس: “المجلس يرفض التعاون، الأمير يحل المجلس، والمجلس الجديد قد يكون أقوى من السابق ويرفضه مرة ثانية…ويقدر المجلس يرفض كل رئيس وزراء إلى أن يستطيع أن يفرض خياره لرئاسة الوزراء على الأمير”[4]. وعليه، تفعيل المادة من شأنها أن تغير من قواعد اللعبة وموازين القوة بحيث يصبح الأمير في الأمر الواقع غير قادر على تعيين رئيس وزراء لا يحظى بثقة المجلس ويتمتع بدعم أغلبية النواب، ومن الممكن أن يتطور ذلك إلى عرف سياسي يحتكم إليه النظام الدستوري.

ويوافقه في الرأي الخبير الدستوري الدكتور جوانلوكا بارولين بالقول إنه لأن المادة (102) في الدستور الكويتي والمادة (67) في الدستور البحريني، التي نصت على المسألة نفسها[5]، تركت مساحة ضبابية لتحديد من هو صاحب السيادة النهائية في اختيار رئيس الحكومة: المجلس النيابي أو رئيس الدولة، خُلقت مساحة للطرفين ليتصارعا حول إجابة ذلك السؤال[6].

ويشير إلى أن “أسلوب الأسرة الحاكمة في اتباع خيار الحل دائماً يبدو أنه نجح في العقود الماضية، ولكن التصعيد في المطالبات والمواجهات بين القوى السياسية والأسرة الحاكمة قد يؤدي إلى اتباع الخيار الأول ]خيار إعفاء رئيس الوزراء[“[7]بحيث يمكن أن يتطور النظام الدستوري دون أن تُغير نصوص الدستور نفسه.

وكلاهما وُفقا في تقديرهما بأن إضافة مثل هذه المادة إلى الدستورين يعكس حكمة من قبل مصممي الدستور بحيث أعطوا مجالًا لتطور النظام الدستوري دون الحاجة إلى القيام بتعديلات في نصوص الدستور، إلا أن إمكانية تفعيل مثل هذه المواد يبقى مرهوناً بالظروف السياسية ونتائج العملية الانتخابية وهذا أمر لا يمكن تغافله حين ننظر إلى أي إجراء يخص صلاحيات السلطة التشريعية في كل من البحرين والكويت.

الدستور الكويتي اشترط أغلبية مطلقة، بينما الدستور البحريني اشترط أغلبية ثلثي الأعضاء. ففي حال الكويت، إذا افترضنا أن أغلبية معارضة تمكنت من الوصول إلى المجلس كما حدث في مجلس فبراير 2012، ما الذي يمنع السلطة في أن تغير النظام الانتخابي لمنع وصول مثل هذه التشكيلة إلى المجلس مجدداً كما فعلت في العام 2013 بإصدارها قانونًا انتخابيًّا جديدًا عن طريق مرسوم بقانون. وبالنسبة إلى البحرين، فاشتراط أغلبية ثلثي الأعضاء شرط تعجيزي بالأساس، وهو أمر يدفع المراقب للتساؤل لماذا اشترط أغلبية الثلثين لإصدار قرار بعدم التعاون مع رئيس الوزراء (الذي لا يعتبره الدستور “سحب ثقة”أصلاً) وهي ذاتها الأغلبية المطلوبة لإجراء تعديلات دستورية؟ فهل يُعتبر قرار عدم التعاون مع رئيس الحكومة بمثابة تعديل دستوري؟

في أية حال، فإن ملاحظة الخطيب وبارولين بأن تفعيل مادة “عدم إمكان التعاون مع رئيس الوزراء” في الدستورين الكويتي والبحريني قد تجعل الكفة الراجحة لصالح الشعب جديرة بالاهتمام والدراسة حيث قد تكون طريقاً ممهداً لتطبيق مبدأ “الشعب مصدر السلطات جميعاً”. كما أن تفعيل هذه المادة قد تكون أداة فاعلة لقلب موازين القوة وتغيير الدور المرسوم للشعب في الدستورين الكويتي والبحريني في لعب دور المعارضة دوماً ودائماً، بعدم إعطائه أي أدوات بناءة تمكنه من أن يكون له السيادة والحكم وأن يتحمل مسؤولية اتخاذه هو القرار، لا أن يتحمل مسؤولية وعواقب قرارات الأسرة الحاكمة. فكلا الدستورين لم يمنحا الشعب إلا أدوات الشجب والسحب والاستجواب وكأنهما يلمحان إلى أن مسؤوليات الحكم والإدارة من شأن الأسرة الحاكمة فقط. كيف يمكن أن تبنى الدولة على مثل هذا الأساس حيث يقوم الشعب بالدخول في دوامات لا نهاية لها بالشجب وسحب الثقة والرفض والاعتراض وفي الوقت نفسه لا يحق له تقديم البديل.

أي تطور في النظام الدستوري، سواء من داخله أو خارجه، لا بد وأن يحمل هذا الهدف الأسمى: أن يكون الشعب مصدر السلطات جميعاً.

 

 

الهوامش:

[1]أحمد الخطيب، “قصة نشأة الدستور الكويتي وكيفية تطويره”،  برنامج الخطوط الحمراء، تاريخ الدخول 2/3/2019. (https://youtu.be/guyXbuHR4tA?t=1074)

[2]دستور دولة الكويت لسنة 1962، موقع مجلس الأمة الرسمي، http://www.kna.kw/clt-html5/run.asp?id=2024

[3]في هذه الحالة لا يحق للوزراء الأعضاء في المجلس المشاركة في التصويت.

[4]أحمد الخطيب، “قصة نشأة الدستور الكويتي وكيفية تطويره”،  برنامج الخطوط الحمراء، تاريخ الدخول 2/3/2019. (https://youtu.be/guyXbuHR4tA?t=1074)

[5]دستور مملكة البحرين لسنة 2002، عدلت هذه المادة في العام 2012 بحيث يكون مجلس النواب المنتخب هو المسؤول الوحيد عن إصدار قرار عدم إمكان التعاون مع رئيس الوزراء، ولا يحتاج هذا القرار لموافقة مجلس الشورى المعين لإصداره ورفعه إلى الملك. للمزيد حول تعديلات 2012: http://www.legalaffairs.gov.bh/115.aspx?cms=iQRpheuphYtJ6pyXUGiNqmbRlZXuwQXF

[6]Gianluca Parolin, “Winter is Coming: Authoritarian Constitutionalism Under Strain in the Gulf”, Centre for Constitutional Transitions, Accessed 2 April 2019. (https://youtu.be/92VOcTU3Meg?t=4496)

[7]Gianluca Parolin, “Winter is Coming: Authoritarian Constitutionalism Under Strain in the Gulf”, Centre for Constitutional Transitions, Accessed 2 April 2019. (https://youtu.be/92VOcTU3Meg?t=4496)

بدر النعيمي

بدر النعيمي
كاتب من البحرين، صاحب مدونة هوامش دستورية: مدونة قانونية - سياسية لمناقشة كل ما هُمّش ووضع على هامش النص في بلداننا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاركنا في نشر الصحافة المستقلة التي يحتاجها العالم العربي
القائمة الرئيسية