لندن - المملكة المتحدة 16/07/2019

دستور البحرين ودستور الكويت: دستوران متلازمان

خ خ خ

تلازُم الدستور البحريني لسنة 1973 والدستور الكويتي لسنة 1962 رغم الاختلاف الزمني بين تاريخ كتابتهما يحمل دلالات لأكثر من مجرد تشابههما في المواد والنصوص وآلية إقرارهما. وإن كانت هذه جوانب مهمة في أي دراسة مقارنة بين الدستورين، فإن هذا التلازم الأخوي بين الدستورين من التلازم الأخوي بين هذين الشعبين الذين لطالما كانا يتبادلان التجارب والدروس مع بعضهما البعض طوال تاريخهما السياسي، فالعلاقة بين الشعبين البحريني والكويتي هي علاقة تطورت عبر عقود متتالية من التلاقي والتواصل غير المنقطع.

فحينما ننظر إلى الدستورين، من السهل أن نرى فقط إلى ما كان وما حصل من تنازلات وعيوب، ولكنه من المهم أيضاً أن نقدّر ما يمكن أن يكون. وعليه ننظر في هذه السلسلة إلى ما كان وما يمكن أن يكون في الدستورين البحريني والكويتي:

 

قصة نشأة وسقوط الدستوران الكويتي والبحريني

ارتبطت قصة نشأة الدستور الكويتي لسنة 1962 والدستور البحريني لسنة 1973 مع بعضهما البعض منذ بداية خطوات وضعهما، إذ صيغت موادهما في ظروف سياسية وتحت تأثير عوامل قانونية مشابهة، وقد تم تناول هذا الأمر في العديد من الكتابات حولهما، لاسيما أن الدستور البحريني لسنة 1973 اتخذ من الدستور الكويتي نموذجاً ليبني عليه النظام الدستوري للدولة حديثة الاستقلال لدرجة أنه من خلال إلقاء نظرة سريعة على مواد الدستور البحريني سيلاحظ الباحث أن العديد منها نسخت كلمة كلمة من نص الدستور الكويتي. ولو أن قصة نشأة الدستورين مثيرة للاهتمام لهذا السبب فقصة سقوطهما مثيرة أكثر، وهذا ما لم يتم التركيز عليه في الكتابات السابقة حول التاريخ السياسي للبلدين.

قبل الخوض في موضوع سقوط الدستورين، لا بد من توضيح بعض الملامح الأساسية لنشأتهما بدءًا بالظروف السياسية الإقليمية والداخلية التي دفعت لوضع الدستور. ففي الكويت كانت تواجه السلطة وقتها في أواخر الخمسينيات أزمة شرعية حقيقية، فلا زال الشعب الكويتي يتذكر كيف قامت السلطة قبل 20 سنة بإلغاء العمل بدستور 1938 وتعليقه ولا زال متمسكاً بمطلبه بالاستقلال عن بريطانيا وتأسيس نظام ديمقراطي حديث للدولة، وفي الجانب الاقليمي واجهت الكويت تحديات أتت من جمهورية العراق الجديدة تحت قيادة عبدالكريم قاسم التي كانت تطالب بضم الكويت إليها، إذ وصل الأمر إلى أن تُطرح المسألة في مجلس الأمن بالأمم المتحدة، وعليه أسهمت هذه الظروف في دفع السلطة إلى القبول بالدخول في عملية سياسية جديدة هدفها التحول الديمقراطي.

وكذلك في البحرين، رغم الفارق الزمني بين تاريخ استقلال الكويت واستقلال البحرين، كانت التحديات السياسية الداخلية والاقليمية حاضرة في عملية وضع الدستور، إذ إن الانتفاضات الشعبية المتتالية والمتواصلة منذ العشرينيات شكلت ضغطاً كبيراً على السلطة وشرعيتها لاسيما بعد إعلان بريطانيا المفاجئ في العام 1968 الانسحاب من جميع “مواقعها” شرق قناة السويس، بعد أن كانت الداعم الرئيس لحكم أسرة آل خليفة في البحرين. هذا وبالإضافة إلى مطالبات الدولة الإيرانية المستمرة لضم البحرين لسيادتها والتي لم تنحل إلا بعد زيارة استطلاعية قامت بها الأمم المتحدة التي انتهت بإعلان رأي البحرينيين المؤيد لإنشاء دولة عربية مستقلة تحت حكم أسرة آل خليفة، إلى جانب وساطة بريطانية بين إيران والبحرين التي انتهت بتنازل إيران عن مطالبها بضم البحرين بشرط عدم انضمام البحرين لاتحاد اقليمي مع بقية دول الخليج.

هذا ناهيك عن أن البحرين قد استعانت بنفس الخبيرين القانونيين والدستوريين اللذان وضعا أسس الدستور الكويتي، وهم الخبيران المصريان عثمان خليل عثمان ومحسن حافظ، اللذان استخدما الدستور الكويتي كنموذج للدستور البحريني الجديد كونه مناسباً إلى حد كبير للطبيعة السياسية والثقافية للبحرين.

وشاء القدر أيضاً أن يتشابه الدستوران في ظروف سقوطهما إذ إنهما علقا بقرار من السلطة إثر مواجهات وتصادمات مع المعارضة السياسية في البرلمان خلال فترة متقاربة؛ إذ علّق العمل بالدستور البحريني في العام 1975 والدستور الكويتي في العام 1976.

وحينما ننظر إلى ظروف سقوطها لا بد من التركيز على السياق السياسي والسياق القانوني الدستوري معاً. فسياسياً تمكنت كل من المعارضة البحرينية والكويتية من الوصول إلى قبة البرلمان، وإن لم يشكلوا أغلبية الأعضاء إلا أن المعارضين لعبوا دوراً بارزاً في الحراك السياسي داخل البرلمان وخارجه بالمطالبة بمحاسبة الفاسدين وحق البرلمان في الرقابة على ميزانية الدولة ما أدى لإنزعاج السلطة منهم وخلق حالة صدام بينهما. وما زاد الأمر تعقيداً هو كون الدستورين مصممَيْن بطريقة تشجع على المواجهة بين المعارضة والحكومة، فالأدوات الممنوحة للبرلمان لا تسهم كثيراً في البناء والتواصل الإيجابي بين السلطة التنفيذية والتشريعية. على سبيل المثال، يستطيع البرلمان في ظل الدستورين سحب الثقة عن الوزير بعد استجواب ناجح ولكنه لا يمتلك أدوات تمكنه من اختيار الوزراء (المعينين بشكل كامل من قبل الأمير)، ولذلك يصبح الأمر وكأن المواطنين ينتخبون معارضة للحكومة التي يضعها الأمير بدلاً من أن ينتخبوا الحكومة نفسها كما هو الحال في جميع الدول الديمقراطية.

وهذا الوضع تجلى في حوادث مهمة أسهمت في تسريع قرار السلطة بتعليق الدستور. ففي الكويت، لم تتفق المعارضة مع البرنامج التشريعي للحكومة وعوضاً عن ذلك رغبت بمحاسبة واستجواب عدد من الوزراء، وفي البحرين كان لإصدار السلطة المرسوم بقانون تدابير أمن الدولة خلال الإجازة البرلمانية ورفض الحكومة مناقشته دورٌ مهمٌ في كيفية انتهاء الأمور إلى ما انتهت عليه لا سيما وأن الحكومة عطلت ثلاث جلسات متتالية مقررة لمناقشة قانون تدابير أمن الدولة.

وفي كلا الحالتين لم يستمر الفصل التشريعي أكثر من سنة ونصف، وذلك لأن في أغسطس 1975 أصدر أمير البحرين مرسومًا أميريًّا بحل المجلس الوطني بناءً على استقالة الحكومة بسبب “عدم إمكان التعاون مع أعضاء المجلس” وكذلك أمرًا أميريًّا بتأجيل الانتخابات ووقف العمل ببعض مواد الدستور. وبعد حل المجلس الوطني البحريني بسنة حُل مجلس الأمة الكويتي في أغسطس 1976 بأمرٍ أميري بناءً على استقالة الحكومة الكويتية برئاسة الشيخ جابر الأحمد الصباح لأسباب مشابهة لاستقالة الحكومة البحرينية، وكذلك تم تعليق بعض مواد الدستور وتأجيل الانتخابات إلى أن يتم تشكيل لجنة لـ “تنقيح” الدستور.

تشابه الأحداث بين البحرين والكويت يدعونا للتفكير حول تشابه طبيعة نظام الحكم في البلدين، حيث عدم قدرة الحكومة السيطرة على أعضاء البرلمان بالطريقة التي يرونها مناسبة وكذلك رغبة البرلمانيين بمحاسبة الوزراء والتصرف باستقلالية دفع الحكومة في كل من البحرين والكويت برفع كتاب الاستقالة إلى الأمير، ومن ثم حل المجلس، وإصدار أمر بتعليق بعض مواد الدستور وتأجيل الانتخابات إلى أن يتم إصدار قانون انتخاب جديد في حال البحرين، وتشكيل لجنة لتنقيح الدستور في حال الكويت. وفي النقطة الأخيرة تنكشف الغاية الحقيقية وراء تعليق الدستور وهي رغبة السلطة في تغيير قواعد النظام الدستوري والحرص على إيجاد صيغة سياسية تلائم مزاجها، فتعديل قانون الانتخاب كان سيعني تغيير التركيبة المحتملة للمجلس وربما هذا أقل خطورةً من قرار أمير الكويت بتشكيل لجنة لتنقيح الدستور هو من يعين فيها أعضاءها.

ونصف ما حدث بـ “السقوط” لأن ما حدث لم يكن حلاً اعتيادياً للمجلس ولا كان تعليق الدستور إجراءً طبيعياً وإنما كان اعتداءً على قواعد النظام الدستوري وفكرة الدستور بحد ذاته. فالدستور البحريني والدستور الكويتي، لا سيما لأنهما أقرّا عن طريق لجنة تأسيسية تمثل الإرادة المشتركة للأمير والشعب بمشاركة ممثليهم، يمثلان تعاقدًا بين طرفين وعليه لا يمكن أن يلغى العقد بناءً على الإرادة المنفردة لأحد الطرفين، كما لا يوجد شيء في الدستور يمنح أي طرف حق إختيار البنود التي يرغب العمل بها فقط وترك البنود الأخرى. إلا أن هذا ما حصل فعلاً حين تم تعليق بعض مواد الدستور بأمر أميري، وهي صلاحية لم يمنحها الدستور للأمير بل منحها الأمير لنفسه. فإذا كان يرى الأمير أن لديه صلاحيات يستمدها من مصدر خارج إطار الدستور سواءً كان ذلك بفضل موقعه كرئيس الدولة أو رئيس الأسرة الحاكمة أو بفعل الأمر الواقع وخصوصاً إذا قام بإستخدامها لتعليق ذلك الدستور، فإن ذلك يعتبر انقلاباً بالقوة.

 

 

أسس تقاسم السلطة في الدستورين البحريني والكويتي

من أهم وظائف الدساتير وضع أسس واضحة لكيفية تقاسم السلطة في الدولة لأنه عنصر أساس في تصميم العلاقات بين السلطات، وعادة ما تكون الأسس التي تُبنى عليها متأثرة بطبيعة المجتمع وتقسيماته السياسية، فقد يكون تقاسم السلطة على أساس جغرافي أو عرقي أو اجتماعي أو ديني أو حزبي.

وفي البحرين والكويت سعى كل من دستور البحرين لسنة 1973 (دستور البحرين الأول) ودستور الكويت لسنة 1962 إلى تقاسم السلطة على مستويين: بين أفراد الأسرة الحاكمة، وبين الأسرة الحاكمة وعامة الشعب. وهذا الأمر يتبين متجذراً في أسس تصميم المؤسسات الدستورية وعلاقاتها مع بعضها البعض ما يشير إلى وضوح رؤية واضعي الدستورين من حيث الأهداف والغايات منها.

كان مفهوم تقاسم السلطة بين الأسرة الحاكمة وعامة الشعب محركاً أساسياً في مجريات العملية السياسية في آلية وضع الدستور وفي تشكيل البرلمان الذي انبثق منه. ورغم تشابههما في ذلك، إلا أن البحرين والكويت اختلفا في بعض تفاصيل التطبيق إذ اعتمدت الكويت على معادلة الثلثين في تشكيل كل من مجلسها التأسيسي والبرلمان، بينما البحرين اعتمدت معادلة النصف في مجلسها التأسيسي ومعادلة الثلثين لتشكيل البرلمان.

حدد المرسوم الأميري رقم 12لسنة 1962 أن المجلس التأسيسي المناط بمهمة إقرار وتعديل شروع الدستور الكويتي يتكون من 20 عضواً منتخباً، إلى جانب الوزراء كأعضاء بحكم مناصبهم. والجدير بالملاحظة هنا هو أن آنذاك كان عدد الوزراء في الحكومة 14 وزيراً ما كان سيؤدي إلى تركيبة تقسم المجلس إلى 60% منتخب و40% معين، إلا أن ثلاثة وزراء، وهم الوزراء الوحيدون الذين لم ينتموا إلى الأسرة الحاكمة، قرروا الترشح للانتخابات وفعلاً تمكنوا من الفوز بمقاعد في المجلس التأسيسي كأعضاء منتخبين، مما جعل التركيبة المكونة للمجلس أقرب إلى الثلثين لصالح الأعضاء المنتخبين والثلث لصالح الحكومة.

بينما اختلفت أحكام تشكيل المجلس التأسيسي البحريني إذ حدد المرسوم بقانون رقم 12 لسنة 1972 في مادته الأولى أن المجلس يتكون من 22 عضواً منتخباً وعدد لا يزيد عن 10 يعينون بمرسوم، إلى جانب عضوية 14 وزيرًا في المجلس بحكم مناصبهم، ما يعني أن تركيبة المجلس كانت ستكون أكثر من 50% معينة، إلا أن الأمير قرر تعيين 8 أعضاء فقط بدل العدد الكامل وهو ما أدى إلى تساوي أعضاء المجلس تقريباً بين منتخبين ومعينين.

وحين ننظر إلى وضع البرلمان، فكلا الدستورين جعل الوزراء أعضاء فيه بحكم مناصبهم إلا أنهما وضعا قيود على العدد الممكن للوزراء. بيّن دستور البحرين 1973 أن البرلمان يتكون من 30 عضواً منتخباً بالإضافة إلى جميع وزراء الحكومة بحكم مناصبهم (المادة 43([1]، وبما أن المادة 33 حددت أنه لا يجوز أن يزيد عدد الوزراء عن 14 وزير فهذا أدى لتطبيق معادلة الثلثين لصالح الأعضاء المنتخبين. والوضع مشابه إلى حد ما في النموذج الكويتي إذ بيّن دستور 1962 في المادة 56: “لا يزيد عدد الوزراء جميعاً عن ثلث أعضاء مجلس الأمة” الذي يتألف من 50 عضواً منتخباً وفقاً للمادة 80 للدستور الكويتي.

ولعل من أهم ما أدخله الدستوران على النظام الدستوري هو منصب “رئيس مجلس الوزراء”، المنفصل عن الأمير، لتأدية المهام التنفيذية للجهاز الحكومي وهو ما خلق قطبين في السلطة التنفيذية. فالأمير يمارس صلاحياته عن طريق وزرائه ويقوم بمسؤوليات شرفية وتشريعية إلى جانب دوره كالقائد الأعلى للقوات المسلحة، بينما رئيس مجلس الوزراء يترأس الحكومة ويدير شؤونها ويضع سياساتها إذ يمارس صلاحيات تنفيذية مباشرة. وهذه الحالة ليست غريبة في النظم البرلمانية حيث يهدف منصب “رئيس الوزراء” إلى فصل السلطة التنفيذية الفعلية عن رئيس الدولة ليمارسها رئيس الوزراء بالنيابة، أو أن يخلق توازناً بينهما كما هو الحال في الأنظمة شبه الرئاسية، إلا أن ما يميز حالتي البحرين والكويت هو استخدامه تحديداً لتقاسم السلطة بين أفراد الأسرة الحاكمة بدلاً من أن يكون موقعاً لتقاسم السلطة بين المؤسسة الملكية وعامة الشعب.

ففي البحرين على سبيل المثال، مثّل المنصب وسيلة لتوزيع السلطة والمسؤوليات بين الأخوين عيسى بن سلمان وخليفة بن سلمان اللذان برزا خلال الفترة ما قبل الاستقلال كولي العهد وكرئيس المجلس الإداري للدولة. أما في الكويت، فبحكم ارتباط منصب رئيس الوزراء بولاية العهد[2] أصبحت رئاسة الوزراء أداة فاعلة لتقاسم السلطة بين فرعي الجابر والأحمد في أسرة آل صباح اللذان يتناوبان على الإمارة كعرف سياسي قديم. وفي الحالتين نرى أن منصب رئيس الوزراء كان وسيلة لتطبيق التوافقات الداخلية بين أفراد الأسرة الحاكمة التي أصبحت مظهراً من مظاهر نظام الحكم.

وهكذا، اتبع كل من دستور الكويت 1962 ودستور البحرين 1973 أسسًا واضحة لتقاسم السلطة، ولم يكتفيا فقط بوضع الأسس التي من خلالها تتقاسم الأسرة الحاكمة السلطة مع عامة الشعب وإنما حرصا على وضع أسس لتقاسم السلطة بين أفراد الأسرة الحاكمة نفسها بما يتناسب مع أعرافها وظروفها الخاصة.

 

  

هل يمكن أن تتطور البحرين والكويت إلى ملكيات دستورية حقيقية؟

النظم السياسية الدستورية لا تأتي بالضرورة كاملة وملبية لطموحات الناس فور إقرارها، بل إنها، كجميع الأنظمة التي يضعها البشر، تتطور على مر الزمن وفق تطور المجتمع والوصول إلى تلك المرحلة من التطور تتطلب عملا دؤوبًا ووضوحا في الأهداف المبتغاة من عملية الإصلاح.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه المسألة هو كيف نطور النظام الدستوري؟ هل هو من خلال النظام نفسه، أي: وفق مواد الدستور؟ أم هل ينبغي أن نطوره عن طريق أساليب خارجية؟

في إحدى اللقاءات الإعلامية، صرح المناضل الوطني والنائب السابق بمجلس الأمة الكويتي الدكتور أحمد الخطيب أن الدستور الكويتي في شكله الحالي جدير بأن يحقق جميع مطالب شباب حراك 2011-2012في تطبيق نظام الحكومة المنتخبة[3]. وحدد في ذلك المادة (102) من الدستور الكويتي التي أعطت للمجلس النيابي صلاحية إصدار قرار بـ“عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء[4]كصيغة بديلة عن “طرح الثقة”فيه، حيث يمكن أن يصدر المجلس بالأغلبية المطلقة[5]قراراً بعدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء الذي يعينه الأمير، وعليه يُرفع الأمر إلى الأمير ليكون صاحب القرار في فض النزاع. فإما أن يقبل بقرار المجلس ويعفي رئيس الوزراء ويعين بديلاً له، وإما أن يحل المجلس وتُجرى انتخابات جديدة.

ويرى الدكتور أحمد الخطيب أن هذه المادة أفسحت المجال لفرض “رئيس وزراء شعبي” من اختيار المجلس: “المجلس يرفض التعاون، الأمير يحل المجلس، والمجلس الجديد قد يكون أقوى من السابق ويرفضه مرة ثانية…ويقدر المجلس يرفض كل رئيس وزراء إلى أن يستطيع أن يفرض خياره لرئاسة الوزراء على الأمير[6]. وعليه، تفعيل المادة من شأنها أن تغير من قواعد اللعبة وموازين القوة بحيث يصبح الأمير في الأمر الواقع غير قادر على تعيين رئيس وزراء لا يحظى بثقة المجلس ويتمتع بدعم أغلبية النواب، ومن الممكن أن يتطور ذلك إلى عرف سياسي يحتكم إليه النظام الدستوري.

ويوافقه في الرأي الخبير الدستوري الدكتور جوانلوكا بارولين بالقول إنه لأن المادة (102) في الدستور الكويتي والمادة (67) في الدستور البحريني، التي نصت على المسألة نفسها[7]، تركت مساحة ضبابية لتحديد من هو صاحب السيادة النهائية في اختيار رئيس الحكومة: المجلس النيابي أو رئيس الدولة، خُلقت مساحة للطرفين ليتصارعا حول إجابة ذلك السؤال[8].

ويشير إلى أن “أسلوب الأسرة الحاكمة في اتباع خيار الحل دائماً يبدو أنه نجح في العقود الماضية، ولكن التصعيد في المطالبات والمواجهات بين القوى السياسية والأسرة الحاكمة قد يؤدي إلى اتباع الخيار الأول )خيار إعفاء رئيس الوزراء)[9]بحيث يمكن أن يتطور النظام الدستوري دون أن تُغير نصوص الدستور نفسه.

وكلاهما وُفقا في تقديرهما بأن إضافة مثل هذه المادة إلى الدستورين يعكس حكمة من قبل مصممي الدستور بحيث أعطوا مجالًا لتطور النظام الدستوري دون الحاجة إلى القيام بتعديلات في نصوص الدستور، إلا أن إمكانية تفعيل مثل هذه المواد يبقى مرهوناً بالظروف السياسية ونتائج العملية الانتخابية وهذا أمر لا يمكن تغافله حين ننظر إلى أي إجراء يخص صلاحيات السلطة التشريعية في كل من البحرين والكويت.

الدستور الكويتي اشترط أغلبية مطلقة، بينما الدستور البحريني اشترط أغلبية ثلثي الأعضاء. ففي حال الكويت، إذا افترضنا أن أغلبية معارضة تمكنت من الوصول إلى المجلس كما حدث في مجلس فبراير 2012، ما الذي يمنع السلطة في أن تغير النظام الانتخابي لمنع وصول مثل هذه التشكيلة إلى المجلس مجدداً كما فعلت في العام 2013 بإصدارها قانونًا انتخابيًّا جديدًا عن طريق مرسوم بقانون. وبالنسبة إلى البحرين، فاشتراط أغلبية ثلثي الأعضاء شرط تعجيزي بالأساس، وهو أمر يدفع المراقب للتساؤل لماذا اشترط أغلبية الثلثين لإصدار قرار بعدم التعاون مع رئيس الوزراء (الذي لا يعتبره الدستور “سحب ثقة”أصلاً) وهي ذاتها الأغلبية المطلوبة لإجراء تعديلات دستورية؟ فهل يُعتبر قرار عدم التعاون مع رئيس الحكومة بمثابة تعديل دستوري؟

في أية حال، فإن ملاحظة الخطيب وبارولين بأن تفعيل مادة “عدم إمكان التعاون مع رئيس الوزراء” في الدستورين الكويتي والبحريني قد تجعل الكفة الراجحة لصالح الشعب جديرة بالاهتمام والدراسة حيث قد تكون طريقاً ممهداً لتطبيق مبدأ “الشعب مصدر السلطات جميعاً”. كما أن تفعيل هذه المادة قد تكون أداة فاعلة لقلب موازين القوة وتغيير الدور المرسوم للشعب في الدستورين الكويتي والبحريني في لعب دور المعارضة دوماً ودائماً، بعدم إعطائه أي أدوات بناءة تمكنه من أن يكون له السيادة والحكم وأن يتحمل مسؤولية اتخاذه هو القرار، لا أن يتحمل مسؤولية وعواقب قرارات الأسرة الحاكمة. فكلا الدستورين لم يمنحا الشعب إلا أدوات الشجب والسحب والاستجواب وكأنهما يلمحان إلى أن مسؤوليات الحكم والإدارة من شأن الأسرة الحاكمة فقط. كيف يمكن أن تبنى الدولة على مثل هذا الأساس حيث يقوم الشعب بالدخول في دوامات لا نهاية لها بالشجب وسحب الثقة والرفض والاعتراض وفي الوقت نفسه لا يحق له تقديم البديل.

أي تطور في النظام الدستوري، سواء من داخله أو خارجه، لا بد وأن يحمل هذا الهدف الأسمى: أن يكون الشعب مصدر السلطات جميعاً.

 

 

 

الهوامش:

[1]وضعت المادة 43 بنداً إضافياً يقضي بزيادة أعضاء البرلمان المنتخبون إلى 40 عضواً بدءً من الفصل التشريعي الثاني، إلا أن هذا البند بقي غير مفعل لوقف العمل بالدستور منذ العام 1975.

[2]استمر الربط إلى العام 2003 حين انفصلا للمرة الأولى منذ الاستقلال.

أحمد الخطيب، “قصة نشأة الدستور الكويتي وكيفية تطويره” ، برنامج الخطوط الحمراء، تاريخ الدخول 2/3/2019[3](https://youtu.be/guyXbuHR4tA?t=1074)

[4]دستور دولة الكويت لسنة 1962، موقع مجلس الأمة الرسمي، http://www.kna.kw/clt-html5/run.asp?id=2024

[5]في هذه الحالة لا يحق للوزراء الأعضاء في المجلس المشاركة في التصويت.

[6]أحمد الخطيب، “قصة نشأة الدستور الكويتي وكيفية تطويره” ، برنامج الخطوط الحمراء، تاريخ الدخول 2/3/2019. (https://youtu.be/guyXbuHR4tA?t=1074)

[7]دستور مملكة البحرين لسنة 2002، عدلت هذه المادة في العام 2012 بحيث يكون مجلس النواب المنتخب هو المسؤول الوحيد عن إصدار قرار عدم إمكان التعاون مع رئيس الوزراء، ولا يحتاج هذا القرار لموافقة مجلس الشورى المعين لإصداره ورفعه إلى الملك. للمزيد حول تعديلات 2012: http://www.legalaffairs.gov.bh/115.aspx?cms=iQRpheuphYtJ6pyXUGiNqmbRlZXuwQXF

[8]Gianluca Parolin, “Winter is Coming: Authoritarian Constitutionalism Under Strain in the Gulf”, Centre for Constitutional Transitions, Accessed 2 April 2019. (https://youtu.be/92VOcTU3Meg?t=4496)

[9]Gianluca Parolin, “Winter is Coming: Authoritarian Constitutionalism Under Strain in the Gulf”, Centre for Constitutional Transitions, Accessed 2 April 2019. (https://youtu.be/92VOcTU3Meg?t=4496)

بدر النعيمي

بدر النعيمي
كاتب من البحرين، صاحب مدونة هوامش دستورية: مدونة قانونية - سياسية لمناقشة كل ما هُمّش ووضع على هامش النص في بلداننا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاركنا في نشر الصحافة المستقلة التي يحتاجها العالم العربي
القائمة الرئيسية