لندن - المملكة المتحدة 22/10/2019

 العلمانية الأمريكية والحداثة.. نظرة نقدية

خ خ خ

ليبارك الله أمريكا، تلك الجملة التي تتكرر على لسان كل رئيس أميركي، من الحزب الجمهوري أو من الحزب الديمقراطي، تشير إلى أن للدين دورا كبيرا في السياسة الأمريكية. الدولة الأمريكية حديثة النشأة، الملاذ الآمن للمضطهدين الأوروبيين في الثلاثة قرون الماضية، الدولة التي ترفع راية العلمانية والديمقراطية وتشن حروبا لنشرهما، لا تخلو من ميراث ديني في نشأتها ولا في واقعها الحالي.

هل للدولة الأمريكية دين؟ وما هو؟ هل للمجتمع الأمريكي مرجعية دينية؟ أي تصور للدين المسيحي أسهم في تشكل وجدان المجتمع الأمريكي؟ كيف انعكس على السياسة الداخلية الأمريكية ولأي قدر أسهم في تشكيل سياساتها الخارجية؟ وما دور المبادئ العلمانية في تشكيل وجدان المجتمع الأمريكي؟ في “مواطن” نحاول الإجابة على تلك الأسئلة عن طريق النظر لفترة تأسيس الدولة، وإلى الرؤى المتنافسة في الدولة والمجتمع الأمريكي، وكيفية توظيف تلك الرؤى في السياسة الأمريكية.

 

كتب: محمد هلال

 

 

فترة تأسيس الدولة

لم تتخذ العلمانية الأمريكية في بدايات تأسيس الدولة موقفا معاديا للدين، حيث نشأت مؤسسات الحداثة الأمريكية من خلال عمل ثوري يميني ضد الاستعمار تم تتويجه بتأسيس الدولة. فكما يقول هينريش فيلهلم شيفر في كتابه (صراع الأصوليات، التطرف المسيحي.. التطرف الإسلامي والحداثة الأوروبية): نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية حداثة تختلف نوعيا تماما عن حداثة أوروبا، كيان ثوري جمعي على أساس تراث إصلاحي حُر كنسيا في ظل فصل مؤسسي بين الدولة والكنيسة.

كانت المسيحية البروتستانتية متأصلة داخل كلا من الثقافة الأمريكية والقومية الأمريكية إضافة للإيمان “بالاستثنائية الأمريكية” التي تحدث عنها للمرة الأولى جون وينثروب (1588-1646) حاكم مستعمرة ماساتشوستس، والتي تفترض اختيار الرب لأمريكا كأرض معاد جديدة وربطها بمشروع اختبار المهاجرين، فطاعة الرب تجلب الرخاء والسعادة. وبالتالي ظهر ميل لربط الديموقراطية بالعناية الإلهية. ولما كان أغلب الناس يرون أن الدين هو أساس الفضيلة الأخلاقية لم تشعر النخب داخل المستعمرات بالثقة في السلطات المدنية ولا السلطات الدينية بصفتهم وسطاء الحقيقة الدينية وهو ما هيأ مناخا ملائما لظهور” الدين المدني” وهو منظور ديني من عصر التنوير منح المنطق مقابل الوحي الأولوية الأولى لتفسير إرادة الله.

وبالتالي كانت العلمانية الأمريكية، القائمة على الحرية الدينية، حلا وسطا بين كافة الطوائف الدينية المنتشرة في البلاد.  فالفصل بين الكنيسة والدولة يساعد على تلك الحرية وعلى ضمان علاقة الفرد بالله. جاءت تلك الحرية الدينية كما يرى سكوت هيبارد في كتابه )السياسة الدينية والدول العلمانية(  من عدة روافد، من التعددية الدينية الكبيرة في منطقة منتصف الأطلنطي، أسهم في ذلك برجماتية التجار المحليين الذين كان يحركهم الربح أكثر من الدين، ومن خلال المتدينين المثاليين، أمثال روجر وليمز، المؤمنين بضرورة التحلي بحرية الإرادة للوصول للغايات الدينية، إضافة لأفكار التنوير الأوروبية.

 

 

رؤيتان متنافستان للأمة الأمريكية

أدت مرحلة التأسيس لظهور رؤيتين متنافستين داخل الأمة الأمريكية. فرؤية “الدين المدني “والتي بنيت على فهم ليبرالي أو عصري للدين إضافة لهوية قومية جامعة لكافة عناصر المجتمع. تلك الرؤية وفّرت العقيدة للجميع وأعطت للحياة العامة معنى كما اتفقت مع البرنامج العلماني للتنمية القومية الأمريكية خصوصا ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهي الرؤية التي تم التعبير عنها في الدستور الأمريكي -التوافقي- والذي عُني بحماية الدين وحرية الضمير من التدخل الحكومي، ولم يمنح أفضلية لفئة محددة داخل الدولة.

أما الرؤية اليمينية –الأصولية– فقد ربطت بين مفهوم القومية والعقيدة المسيحية لتظهر قومية دينية مسيحية أكثر جمودا وعدوانية، قامت على رواية مسيحية للتاريخ الأمريكي (الاستثنائية الأمريكية)، ربطت ما بين الغرض القومي وتنفيذ إرادة الله على الأرض. تلك الرؤية ترفض التقليد العلماني وتعتبر العلمانية بمثابة مصدر العلل الاجتماعية المعاصرة. كما ترى أن الترابط المتسق بين الدين والدولة تحت مفهوم (القومية الأمريكية) هو شرط أساسي لاسترجاع المجتمع السياسي وإعادة غرس حس تقليدي بالقيم داخل الحياة العامة الأمريكية. كما يرى أنصار تلك الرؤية أن التحالف الديمقراطي أو الإجماع الليبرالي قد فرض أفكاره وتقاليده داخل مؤسسات الدولة الأمريكية، كتدريس “نظرية التطور عن طريق الانتخاب الطبيعي” في المدارس العامة، الأمر الذي يرفضونه بشدة حفاظا على الدين وأخلاقيات المجتمع.

ذلك التباين في وجهتي النظر تضمن رؤى مختلفة عن طبيعة واستخدام السلطة في الدولة الأمريكية. فبينما رأي أنصار الرؤية العلمانية أن الدين يقدم إطارا أخلاقيا للحد من جور الحكومات، فبما أن الأمة تحت مشيئة الله فهي- أي الأمة- مسؤولة أمام الله على اختياراتها وقراراتها، يرى اليمين الراديكالي الدمج بين الغرض الديني وأهداف الدولة أو الحزب الحاكم- الأمر الذي وفر تأكيدا كهنوتيا لمصلحة سياسات الحكومة وأذن للعمل نيابة عن الأمة لتحقيق الأهداف الدينية. بهذه الطريقة منح تبرئةً للسلطة على أي قرار قد تتخذه، عسكريا أو اقتصاديا، لأنها، أي قرارات الحكومة، ترتبط بالغرض الإلهي. كما صوّر جورج بوش الابن غزو العراق بحملة صليبية جديدة جاءته بتكليف مباشر من الله.

 

 

التوظيف السياسي للأصولية الأمريكية

يرى سكوت هيبارد في كتابة (السياسة الدينية والدول العلمانية) أن انتشار الأصولية في الدول الثلاث التي ناقشها كتابه وهي الهند، مصر، والولايات المتحدة الأمريكية “يرجع إلى نسق واحد”، وهو فشل الحكومات في توفير الاحتياجات الاقتصادية لشعوبهم. وبالتالي يسعى الحكام، لضمان الاستمرار في السلطة، إلى تحويل الصراعات داخل المجتمع من صراعات أفقيه طبقية اقتصادية، إلى صراعات رأسية ثقافية دينية عرقية، والاستفادة من التوترات داخل المجتمع وتضخيمها أحيانا لغض طرف المجتمع عن المطالب الاقتصادية.

وهو ما بدأ في أمريكا في عهد نيكسون بعد الانقلاب على “الصفقة الجديدة” التي تحكم الاقتصاد الأمريكي منذ ثلاثينيات القرن العشرين والانحياز للأفكار الاقتصادية النيوليبرالية. تم تصوير القيم الدينية البروتستانتية، باعتبارها قيما محافظة، على أنها قيم أصيلة من الناحية الثقافية وصُوّرت الأفكار الليبرالية والقومية العلمانية بأنها مخالفة للتقاليد الأمريكية. كما تم اجتذاب رجال دين محافظين لدعم نيكسون في حملاته الانتخابية 1968 و1972 وهي السياسة التي استمرت بعد ذلك حتى حملات بوش الأب والابن ودونالد ترامب.

 

 

خاتمة

طوال القرنين الماضيين كان التوتر بين الرؤية اليمينية الراديكالية والرؤية الليبرالية هو التوتر الوحيد القادر على التأثير في السياسة الأمريكية، حيث يجتذب الحزب الجمهوري أو الحزب الديمقراطي، وهي البدائل المتاحة، أصوات الناخب الأمريكي إلا أن الأمور باتت أكثر تعقيدا الآن. فكما وضح المخرج الأمريكي اليساري مايكل مور في مقاله الذي تنبأ فيه بفوز ترامب أن هناك حالة سخط وغضب عارمين على منظومة الحكم برمّتها. الأمر الذي يدفع كثيرا من الناخبين إما للامتناع عن التصويت أو التصويت العقابي لصالح “مرشح الضدّ” للمنظومة وفي هذه الحالة كان هو دونالد ترامب.

أيضا يشير ديفيد جريبر، في كتابه) مشروع الديمقراطية) الذي يؤرخ لحركة “احتلوا وول ستريت” أن هناك تغيرات كبيرة في بنية المجتمع الأمريكي قد تؤثر بشكل مغاير عن المعتاد في الحراك السياسي القادم. فمثلا الطبقة العاملة حاليا لم تعد هي طبقة العمالة القديمة نفسها غير المتعلمة المحافظة دينيا بل بات الكثير من العمال حاليا من الشباب المحبطين المتسربين من التعليم الجامعي، بسبب تكلفته العالية، والساخطين على النيوليبرالية ونظام الحكم السائد في بلادهم وفي العالم أجمع.

تلك الحالة العالمية الجديدة تضع دونالد ترامب ومن يمثلهم من التيار الأصولي أمام تحديات جديدة لم يعهدها سابقوه من نفس التيار، جورج بوش الأب والابن، وعلى صعيد أكبر تضع الولايات المتحدة الأمريكية والعالم أجمع أمام احتمالات جديدة تهدد بنية النظام العالمي الحالي وتسعى لخلق نظام عالمي جديد، وآليات حكم جديدة، أكثر ملاءمة لمتطلبات الواقع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاركنا في نشر الصحافة المستقلة التي يحتاجها العالم العربي
القائمة الرئيسية